الراغب الأصفهاني
482
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
وأعمال الآخرة ولم توضع للتجارة ، ولا يغرنّك أقوام اتخذوا فيها حوانيت ويقولون نحن مجاورون وقد أعياهم الكسب في بلادهم فصاروا فيها تجارا ، كذبوا ما هم بمجاورين إنما المجاور من هو مقيم بها للعبادة وعمل الآخرة ، فينفق من فضل اللّه ما آتاه للّه ولا يكسب فيها ولا يشغل نفسه بالكسب فيها ، ولأن ترجع إلى بلدك فتشتري به وتبيع وتحج في كل عشرين سنة أحب إليّ من أن تكون مقيما بمكة تحج وتعتمر كل سنة وتبيع وتشتري فيها . دخول البادية بلا راحلة ولا زاد قال علي بن الموفق ، وكان من كبار الصوفية متحققا مجتهدا : حججت ستين سنة فكنت سنة في محملي ، فرأيت رجالة ، فأحببت أن أمشي معهم ، فنزلت ومشيت وتقدمت الناس ثم عدلنا إلى الطريق فنمت فرأيت في المنام جواري لم أر كحسنهنّ ، معهنّ طسوت من ذهب وأباريق ، فأقبلن على أولئك المشاة يغسلن أرجلهن حتى بقيت فأرادت واحدة أن تغسل رجلي ، فقالت لها أخرى : ليس ذا منهم ، هذا له محمل . فقالت : بلى أحبّ أن يماشيهم فغسلت رجلي فذهب عنّي كل تعب . وسئل الجلاء عن رجال يدخلون البادية بلا زاد فقال : هم رجال الحق . قيل : فإن هلك أحدهم قال : الدية على العاقلة . وقال بنان الحمال : دخلت بادية تبوك فاستوحشت ، فهتف بي هاتف نقضت العهد تستوحش . أليس الحبيب معك ؟ وقيل لبعضهم : أتدخل البادية بلا زاد ؟ فقال : إن معي زادي وهو التقوى ، أليس اللّه يقول : وتزودوا فإن خير الزاد التقوى . وأما الفقهاء فقد كرهوا ذلك لقول اللّه تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة . يوم النحر وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين الجمرتين بمنى في الحجة التي حج ، وذلك يوم النحر ، فقال : هذا يوم الحج الأكبر . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : أفضل الأيام عند اللّه تعالى يوم النحر . الأضحية روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ضحّى بكبشين أملحين أقرنين ، يهلل ويكبر ويسمّي ، وقال : البدنة عن سبعة . والبقرة عن سبعة . وقال أمير المؤمنين رضي اللّه عنه : أمرنا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بعوراء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء ، فالمقابلة التي يقطع طرف أذنها والشرقاء التي تشق أذنها . والخرقاء التي تخرق أذنها ونهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن المصفرة والمستأصلة والبخقاء والمشيعة ، فالمصفرة التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها ، والمستأصلة المقدودة من أصلها والبخقاء التي تبخق عينها والمشيعة التي لا تزال تتبع الغنم عجفا وضعفا والكسراء الكسيرة .